ابن الجوزي

205

بستان الواعظين ورياض السامعين

أنا لكم إخوتي نذير * من هول ما ضمت القبور عاينت ما لم تعاينوه * وإنما يبتلى الخبير إنّ الذي حلّ بي جليل * جدا فقد أعذر النذير فإنما أنت في غرور * فلا يغرنّك الغرور فإن قدامك المنايا * والقبر والبعث والنشور إما إلى جنة وإما * إلى حجيم لها سعير فاللّه اللّه يا معشر الإسلام انتبهوا من ثقل هذا المنام ، فإن أمامكم وحشة القبور بعد سكرات هول الحمام ، فمن ضيع في البطالة ، والجهالة أيامه ، وكثرت في صحيفته أوزاره وآثامه فمقام الحسرة غدا في القبر مقامه . وأنشدوا : أبصر وتب يا رجل * قد أزف التنقل إلى محل ( ضيّق ) * تذهب فيه الحيل مالك فيه مؤنس * إلّا التقى والعمل أي غلام قام في * محرابه يبتهل يقول في سجدته * ودمعه ينهمل يا ظاهر يا باطن * يا مالك لا تعجل اغفر ذنوبي كلها * فشأنك التفضل وتب عليّ توبة * فهي المنى والأمل [ 332 ] نبّاش القبور روي عن سعيد بن جبير رضي اللّه عنه أنه قال : بينما نحن جلوس في مجلس ابن عباس رضي اللّه عنهما إذ وقف رجل بين يديه فقال : يا ابن عباس ما أذل العاصين بين يدي اللّه تعالى وما أحسن المبادرين إلى طاعة اللّه تعالى يا ابن عباس : ما أغفل المذنبين عن قرب الجليل ، وأشد تخليط من لم يوفق بالرحيل . قال : ثم خرج . فقام إلى ابن عباس بعض جلسائه فقال له : يا ابن عباس إن هذا الفتى نبّاش وإنما يتستر بهذه المقالة ، فإذا جن عليه الليل خرج إلى المقابر فنبش فيعري الموتى من أكفانهم . قال ابن عباس : لا أصدق مثل هذا حتى أراه بعيني وألمسه بكفي . فقال له الرجل : إن شئت لأرينك ذلك . فقال : قد شئت . فلما هجم الليل إذا الفتى قد